عرض لكتاب شارل مالك- دور لبنان في صنع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

 

 

الناشر، مؤسسة شارل مالك - نوفل – بيروت،  المؤلف، شارل مالك بتحرير وتحقيق من رفيق معلوف وحبيب مالك وجورج صبرا،  1998

 

 

بهذه الكلمات قدم كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة لكتاب شارل مالك  " إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو واحد من أعظم انجازات القرن ..... في تلك الآونة شغل الديباوماسي اللبناني المرموق شارل مالك منصب رئيس اللجنة الثالثة للجمعية العمومية ، ولعب دورا حاسما في وضع نص هذا الإعلان "

 

يروي الكتاب، قصة صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1948، من خلال الشهادات والوثائق التي خلفها المفكر والدبلوماسي اللبناني  شارل مالك،  والتي جمعها نجله حبيب مالك من واشنطن ونيويورك وبوسطن ومن محفوظات الأمم المتحدة وجامعة هارفارد ومكتبة الكونغرس، إضافة إلى المحفوظات الشخصية وأخرى بخط اليد والمودعة في احد المصارف الأمريكية الكبرى، وهي مجموعة يومياته ومذكراته لستين عاما.

 

وضع الفصل الأول من الكتاب الكاتب والصحفي اللبناني رفيق المعلوف بعد اطلاعه على الوثائق والمذكرات الشخصية الزاخرة بالأحداث العالمية  للراحل شارل مالك المولع بالفيزياء والرياضيات والمسكون بالفلسفة. وقد وصف شارل مالك  بأنه كان وحيدا بين الأقوياء، حيث عارض أفكاره في الدفاع عن الحرية  الشخصية ووقف ضدها كل من المندوب السوفيتي والبريطاني ووقف مندوب فرنسا في الوسط. يشير الكتاب إلى  أن جميع مندوبي الدول العظمى كانوا يعملون بأسلوب  أو بآخر للحؤول دون إبرام شرعة حقوق الإنسان.

 

ناضل شارل مالك على مدى ثلاث سنوات 1946و1947و 1948 من اجل إقرار شرعة حقوق الإنسان في ظل أوضاع عالمية معقدة وصعبة وخلافات فكرية حادة بين معسكري العالم آنذاك ومع مقدمات الحرب الباردة بينهما.

عقدت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة والممثلة ل 58 دولة، 22 اجتماعا صاخبا، لمناقشة المسودة الأولى للشرعة، تميزت بالفوضى والضبابية والمزايدات السياسية حول قضية منزهة هي حقوق الإنسان. كان صراعا وتصادما  بين الماركسيين والليبراليين. مالك الفلسفي المسيحي وتشانغ الصيني الكونفوسوشي. كان مالك يدافع عن حرية الفرد وعدم تذويبها بالجماعة.

 

لماذا لبنان، بلد الحرية،  الدولة الصغيرة، وبشخص شارل مالك،  يلعب الدور المتميّز في الأمم المتحدة  وبالذات في إصدار شرعة حقوق الإنسان و صياغتها وشرف كتابة  مقدمتها والبناء الفلسفي لها  التي مثّلت جوهر الشرعة وروحها؟ الكتاب يجيب على ذلك ويوضح دورا لفرد وإبداعه وقدراته في التأثير والتغيير لصالح القضية التي يؤمن بها ويخلص لها. 

يعبر مالك عن وضع لبنان في ذلك الوقت " إنني قلق بالنسبة للوضع في لبنان ومستقبله، فهو لا يجد من يدعمه، فرنسا ضعيفة، وبريطانيا لا تفكر إلا بمصالحها وتستغل الآخرين، أما روسيا .... فهي شيوعية، وأما أمريكا فإنها تحيل كل الأمور إلى الأمم المتحدة ولا تقدم أي تدبير خارج حدودها إلا في إطار المنظمة الدولية. العالم العربي ضائع يحتاج إلى دعم ...وفاقد الشيء لا يعطيه"

 

ينوّه الكتاب إلى بعض من أحلام شارل غير الشخصية وأمنياته للعالم وللبنان وسعيه الدؤوب من أجل ذلك، منها اقتراحه على اليونسكو في 25 تشرين الأول ( اكتو بر) 1946 بان تكون المهمة الأولى لليونسكو إصدار موسوعة كبرى باللغات الحية للآثار الكلاسيكية الخالدة التي أنجبها العقل البشري من مطلع التاريخ المدوّن ليومنا هذا، لتعليم الأجيال وتعريفه وتثقيفه بالأخر، لتعميم التسامح ونبذ العصبيات لصهر المجتمعات وتقليص التباعد بينها. لو تحقق هذا الحلم لما تحامل الغرب على العرب والمسلمين  بسبب  جهله بحضارتهم  وتراثهم، ويذكرنا ذلك بسعي المفكر والفيلسوف الفلسطيني الكبير ادوارد سعيد  فيما ذهب إليه في كتابه الاستشراف،  الذي صار موضوعة دراسية في جامعات لندن، بان الغرب نظر إلى الشرق كما يريد هو أن يراه، وليس كما هو في الواقع، نظر إليه كأدنى.

 لحلمه الأخر، الفضل في إدخال الفروع الإنسانية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، على اثر الرسالة التي كتبها إلى رئيسها عام 1938، حين عاد إلى لبنان.

يقول رفيق معلوف "لم يستطع مالك تطبيق شرعة حقوق الإنسان على الدول بسبب الحرب الباردة .... مات شارل وفي نفسه حسرة لذلك التقصير الذي حتّمته الظروف وأدى إلى استهتار الأقوياء،  فإذا بالإنسانية اليوم تدفع الثمن".  شبّه مالك شرعة حقوق الإنسان بالهواتف الغيبية التي تقضّ مضاجع الجبابرة و ضمائرهم. 

 

المناصب التي شغلها مالك في الأمم المتحدة:  مندوب لبنان في الأمم المتحدة، عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة وكانت المهمة الرئيسية للمجلس وضع شرعة لحقوق الإنسان، مقرر لجنة حقوق الإنسان التي انبثقت عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي لغرض وضع الشرعة. رئيس اللجنة الثالثة المنبثقة عن الجمعية العمومية والتي أقرت الشرعة بالأكثرية  الساحقة، عضو اللجنة الثلاثية لصياغة الشرعة.

 

يضم الكتاب 219  صفحة، قطع متوسط ، من إعداد وتحرير رفيق المعلوف وحبيب مالك وجورج صبرا، صادر عن مؤسسة شارل مالك -  نوفل، صدر بمناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1998.

 

 




شارك هذه الصفحة: