الشرطة وحقوق الانسان

الدكتور محمد الطراونة*

 

تمهيد

إذا كان مطلوب من جميع مؤسسات الدولة (تشريعية وتنفيذية وقضائية) احترام حقوق الإنسان وصونها والدفاع عنها وتوفير الضمانات الكفيلة برعايتها، فإن الأجهزة الشرطية مطلوب منها نفس الدور ولكن بدرجة أكبر كون هذه الأجهزة تقوم بموجب القانون أو بدونه في العديد من البلدان بأعمال قسرية تنطوي على القسوة والشدة ويتم استعمال القوة من قبلها بشكل مفرط في بعض الأحيان كما تقوم هذه الأجهزة ببعض الإجراءات الماسة بالحرية الشخصية مثل القبض والتفتيش والاستجواب وانتزاع الاعترافات.

ومن جهة أخرى فإن هذه الأجهزة تكون في مواجهة مباشرة مع الأفراد سواء بشكل جماعي مثل التظاهرات أو الاعتصامات أو المسيرات السلمية أو بشكل فردى من خلال مراجعة الأفراد لمراكز الشرطة كمشتكين أو مشتكى عليهم أو شهود، هذه المواجهة تفرض على الدولة وأجهزتها الشرطية احترام حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية.

من هنا تعتبر هذه الأجهزة من أهم الآليات الوطنية التي يتوجب عليها احترام حقوق الإنسان خصوصا في هذه الفترة التي تشهد تنامي ظاهرة التظاهرات والاعتصامات السلمية من أجل التغيير والإصلاح.

لا يقتصر هذا الأمر على صعيد كل دولة على حدة، بل أن المجتمع الدولي تنبه بأسرة إلى أهمية دور الشرطة في حماية حقوق الإنسان. ويعتبر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 34/169 الصادر في 17 ديسمبر/كانون الأول 1979 المصدر والأساس لذلك من خلال إقراره مدونة قواعد وسلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين (الشرطة).

المدونة ليست معاهدة أو اتفاقية بل هي صك من الصكوك التي تتضمن توجيهات للحكومات والهيئات في مسائل ذات علاقة بحقوق الإنسان والعدالة الجنائية حيث طرحت هذه المدونة مجموعة من المبادئ التي تحكم عمل الشرطة في مجال حقوق الإنسان والتي يمكن إيجازها كما يرد فيما يلي.

أولا: على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، في جميع الأوقات، تأدية الواجب الذي يلقيه القانون على عاتقهم، وذلك بخدمة المجتمع وبحماية جميع الأشخاص من الأعمال غير القانونية، على نحو يتفق مع علو درجة المسؤولية التي تتطلبها مهنتهم وتشمل عبارة »الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين «جميع الموظفين المسؤولين عن تنفيذ القانون الذين يمارسون صلاحيات الشرطة، ولا سيما صلاحيات الاعتقال أو الاحتجاز، سواء كانوا معينين أم منتخبين، أما في البلدان التي تتولى صلاحيات الشرطة فيها السلطات العسكرية، سواء كانت بالزى الرسمي أم لا، أو قوات أمن الدولة، يعتبر تعريف »الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين « شاملا لموظفي تلك الأجهزة.

ومن هنا يتوجب على الأجهزة الشرطية القيام بأعمالها سندا للقانون بحيث لا يجوز اعتقال شخص بدون سند قانوني وبناء على أمر قضائي مسبب ولا يجوز لها اعتقال أي شخص بدون إتاحة الفرصة له للاتصال بمحاميه على أن يكون مخالفة ذلك تحت طائلة البطلان والملاحقة في حال إذا خالفت الأجهزة الشرطية هذا المبدأ.

 

ثانيا: على الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين، أثناء قيامهم بواجباتهم،احترام الكرامة الإنسانية وصونها، والمحافظة على حقوق الإنسان لكل الأشخاص ورعايتها كون حقوق الإنسان المشار إليها محددة ومحمية بالقانون الوطني والدولي. ومن الصكوك الدولية ذات الصلة: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية  أو المهينة، وإعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية.
وبناء على ذلك  لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفى الحدود اللازمة لأداء واجبهم. ينبغي أن يكون استعمال القوة من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أمرا استثنائيا، ومع أنه يوحي بأنه قد يكون من المأذون به للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يستخدموا من القوة ما تجعله الظروف معقول الضرورة من أجل تفادى وقوع الجرائم أو أثناء تنفيذ الاعتقال القانوني للمجرمين أو المشتبه بأنهم مجرمون، أو المساعدة على ذلك، فهو لا يجيز استخدام القوة بشكل يتعدى هذا الحد.
من هنا يتوجب أن يقيد القانون الوطني في العادة استعمال القوة من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين وفقا لمبدأ التناسبية. ويجب أن يفهم أنه يتعين احترام مبادئ التناسبية المعمول بها على الصعيد الوطني في تفسير هذا الحكم. ولا يجوز بأية حال تفسير هذا الحكم بما يسمح باستعمال القوة بشكل لا يتناسب مع الهدف المشروع المطلوب تحقيقه.
وينبغي بذل كل جهد ممكن لتلافي استعمال الأسلحة النارية، ولا سيما ضد الأطفال أو المتظاهرين. وبوجه عام، لا ينبغي استعمال الأسلحة النارية إلا عندما يبدى الشخص المشتبه في ارتكابه جرما أو مقاومة مسلحة أو يعرض حياة الآخرين للخطر بطريقة أخرى وتكون التدابير الأقل تطرفا غير كافية لكبح المشتبه به أو لإلقاء القبض عليه. وفى كل حالة يطلق فيها سلاح ناري ينبغي تقديم تقرير إلى السلطات المختصة دون أبطاء.

 

ثالثا: يحافظ الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين على سرية ما في حوزتهم من أمور ذات طبيعة سرية ما لم يقتض خلاف ذلك كل الاقتضاء أداء الواجب أو متطلبات العدالة.  فقد يحصل الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين، بحكم واجباتهم، على معلومات قد تتعلق بالحياة الخاصة للإفراد أو يمكن أن تضر بمصالح الآخرين، وبسمعتهم على وجه الخصوص. ولذلك ينبغي توخي الحرص الشديد في الحفاظ على هذه المعلومات واستخدامها، ولا ينبغي إفشاء هذه المعلومات إلا بحكم أداء الواجب أو خدمة العدالة. وأي إفشاء لهذه المعلومات لأغراض أخرى هو أمر غير مشروع على الإطلاق.

 

رابعا: لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقوم بأي عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية  أو المهينة، أو أن يحرض عليه أو أن يتغاضى عنه، كما لا يجوز لأي من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب، أو التهديد بالحرب، أو إحاقة الخطر بالأمن القومي، أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي، أو أية حالة أخري من حالات الطوارئ العامة، لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية  أو المهينة وهذا الحظر مستمد من إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية  أو المهينة، وهو الإعلان الذي اعتمدته الجمعية العامة، والذي جاء فيه: » (إن أي عمل من هذه الأعمال) امتهان للكرامة الإنسانية ويجب أن يدان بوصفه إنكارا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (وغيره من الصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان) « ، و »يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عناء شديد، جسديا كان أو عقليا، يتم إلحاقه عمدا بشخص ما بفعل أحد الموظفين العموميين أو بتحريض منه، لإغراض مثل الحصول من هذا الشخص أو من شخص آخر على معلومات أو اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، أو تخويفه أو تخويف أشخاص آخرين. ولا يشمل التعذيب الألم أو العناء الذي يكون ناشئا عن مجرد جزاءات مشروعة أو ملازما لها أو مترتبا عليها، في حدود تمشي ذلك مع القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء « .
ومن المحظور على رجال الشرطة
»المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية  أو المهينة « ، أو التعذيب لانتزاع الاعترافات ويتوجب أن تقوم بعملها بشكل يضمن أكبر حماية ممكنة من جميع أشكال الإساءة، جسدية كانت أو عقلية، كما يتوجب على الدولة بحكم مسؤوليتها عن أعمال تابعيها ملاحقة من يخالف ذلك وضمان حق الأفراد بالتعويض من قبل الدولة فيما إذا خالف موظفيها القانون بهذا الخصوص.

 

خامسا: يتوجب أن يوفر الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين الحماية التامة لصحة الأشخاص المحتجزين في عهدتهم، وعليهم، بوجه خاص، اتخاذ التدابير الفورية لتوفير العناية الطبية لهم كلما لزم ذلك. 
ويقصد
»بالعناية الطبية « ، الخدمات التي يقدمها أي من الموظفين الطبيين، بمن فيهم الأطباء والمساعدون الطبيون المجازون، عند الاقتضاء أو الطلب. ويجب على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يأخذوا بعين الاعتبار رأي الموظفون الطبيون الملحقون بعملية إنفاذ القوانين كالأطباء الشرعيين عندما يوصون بتوفير العلاج المناسب للشخص المحتجز من قبل موظفين طبيين من خارج عملية إنفاذ القوانين أو بالتشاور معهم. وعلى الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أيضا أن يوفروا العناية الطبية لضحايا انتهاك القانون أو ضحايا الحوادث التي تقع خلال حالات انتهاك القانون.

 

سادسا: على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين الامتناع عن ارتكاب أي فعل من أفعال إفساد الذمة ومواجهة جميع هذه الأفعال ومكافحتها بكل صرامة، كون أي فعل من أفعال إفساد الذمة، مثله في ذلك مثل أي من أفعال إساءة استخدام السلطة، أمر لا يتفق ومهنة الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين. ويجب أن ينفذ القانون تنفيذ كاملا فيما يتعلق بأي موظف مكلف بإنفاذ القوانين يرتكب فعلا من أفعال إفساد الذمة، لأنه ليس للحكومات أن تتوقع إنفاذ القانون على رعاياها إذا لم يكن في مقدورها أو نيتها إنفاذ القانون على موظفيها أنفسهم وداخل أجهزتها ذاتها. و يجب أن يكون ذلك خاضعا للقانون الوطني، فينبغي أن يكون مفهوما وأن يشمل ارتكاب أو إغفال فعل ما لدى اضطلاع الموظف بواجباته، أو بصدد هذه الواجبات، استجابة لهدايا أو وعود أو حوافز سواء طلبت أو قبلت، أو تلقى أي من هذه الأشياء بشكل غير مشروع متى تم ارتكاب الفعل أو إغفاله.

سابعا: على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين احترام القانون ومدونة السلوك وعليهم أيضا، قدر المستطاع، منع وقوع أي انتهاكات لهما ومواجهة هذه الانتهاكات بكل صرامة. وعلى الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، الذين يتوفر لديهم ما يحملهم على الاعتقاد بوقوع أو وشك وقوع انتهاك لهذه المدونة، إبلاغ الأمر إلى سلطاتهم العليا وكذلك، عند اللزوم، إلى غيرها من السلطات والأجهزة المختصة التي تتمتع بصلاحية المراجعة أو رفع المظالم.

 

ثامنا: وبناء على ما تقدم، يتعين على الدولة اتخاذ التدابير الإدارية والتشريعية المناسبة التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان أثناء قيام الأجهزة الشرطية بأعمالها وذلك من خلال ما يلي:

  • إيجاد نوع من الانسجام أو الإدماج ما بين المعايير الدولية الواردة في مدونة سلوك الموظفين بإنفاذ القوانين والتشريعات الوطنية من خلال إدماجها في التشريع أو الممارسة الوطنية وإذا تضمنت التشريعات أو الممارسات الوطنية أحكاما أشد من تلك الواردة في هذه المدونة يعمل بتلك الأحكام؛
  • إن أية دولة تضحى بالحرية وبحقوق الإنسان بحجة الأمن لا تستحق لا حرية ولا أمن وهذا ما يتوجب إيصاله إلى الرئيس والمرؤوس في الأجهزة الشرطية وقد أثبتت التجارب الماثلة في بعض البلدان صحة ما نقول حيث تبين أن الأجهزة الشرطية التي تستخدم العنف المفرط هي أنظمة هشة لا تستطيع أن تقف أمام حركة الشعوب التي تناضل من أجل نيل حقوقها؛
  • يتوجب على الدولة أن تعمل على إيجاد نوع من البرامج التدريبية لتأهيل أفراد الشرطة في مجال حقوق الإنسان؛
  • يتوجب على رجل الشرطة مراعاة قواعد السلوك القانوني أثناء عمله مثل افتراض قرينة البراءة عند التحقيق مع الأشخاص ومراعاة قواعد المحاكمة العادلة ومراعاة الضمانات القانونية للأشخاص عند القبض عليهم أو تفتيشهم أو احتجازهم؛
  • يتوجب أن تعمل المحاكم على إقرار بطلان كافة الأدلة المنتزعة من قبل الأفراد أثناء التحقيق الشرطي معهم إذا ثبت لها أنها أخذت تحت التهديد أو الإكراه؛
  • إنشاء »أمبودزمان « )مكتب مظالم ( لدى دوائر الشرطة يتيح للمواطنين تقديم شكوى بحق أي فرد من أفراد الشرطة تجاوز حدود القانون وأن يتم اطلاع الأفراد على مصير الشكوى وطبيعة الإجراء المتخذ بحق من يثبت عليه انتهاك حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية؛
  • إفهام رجال الشرطة أن العمل بموجب مدونة السلوك بشقيها الأخلاقي والقانوني هو التزام على عاتق الدولة تفرضه الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وأن الفرد (المواطن العادي) لم يعد يندرج ضمن صميم سلطانها الداخلي إنما أصبح في عالم اليوم أحد أشخاص القانون الدولي.
  • قيام الأجهزة القضائية المعنية بالرقابة والإشراف، والمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني بالدور المطلوب من أجل التفتيش على أماكن التوقيف والاحتجاز للتأكد من عدم توقيف أحد خلافا للقانون؛
  • يلتزم رجال الشرطة عند تعاملهم مع الأفراد عدم التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو العرق أو اللغة أو الدين أو بين المواطنين من رعايا الدولة والأجانب المقيمين فيها.

 

خاتمة

نجد وكما أسلفنا أن أية دولة ترعى ومن خلال كافة مؤسساتها الرسمية خصوصا المكلفة بإنفاذ القوانين منها حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية هي دولة التقدم والديمقراطية وسيادة القانون وتدفع بالأفراد لكي يكونوا عونا للسلطة العامة.

والعكس صحيح فأية دولة تنتهك هذه الحقوق والتي ثبت من الواقع العملي أن النسبة الأكبر منها تقع على يد الأجهزة الشرطية هي دولة دكتاتورية وتدفع من خلال ممارسات موظفيها السلبية الأفراد إلى التمرد والثورة ضد الظلم والطغيان وهذا ما ثبت جليا من خلال ثورات الياسمين والربيع العربي فلم تكن الثورات البيضاء والسلمية من أجل الخبز إنما من أجل الدفاع عن الحرية والكرامة التي امتهنت كثيرا وكان رأس الحربة في هذا الامتهان الأجهزة الشرطية.

فهذه الأجهزة يتوجب أن تدرك أن الأمن الفردي للمواطن هو جزء من الأمن الجماعي وهو صمام الأمان لدولة القانون والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

 

* باحث في مجال حقوق الإنسان وقاضي محكمة التمييز الأردنية.

 

 

 

 




شارك هذه الصفحة: